مصر اليوم - منازل الوحشة شخصيات إشكالية أفرزتها حقبة الاحتراب الطائفي

"منازل الوحشة" شخصيات إشكالية أفرزتها حقبة الاحتراب الطائفي

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - منازل الوحشة شخصيات إشكالية أفرزتها حقبة الاحتراب الطائفي

القاهرة - وكالات

تلعب الجملة الاستهلالية دورا مهما في الإيحاء بفحوى الرواية ومضمونها الذي لم يُكشف عنه بعد. فهي التي تحدد مسار النص الروائي سواء أكان كوميديا أم تراجيديا أم بينَ بين. وهي أشبه بالمفتاح الذي يفتح بوابة الرواية ويتيح للقارئ الولوج إلى عالمها الواقعي أو المتخيل، خصوصا إذا كانت الرواية مبنية بناء فنيا رصينا، كما هو الحال في رواية «منازل الوحشة» للروائية دنى غالي التي سبق لها أن أصدرت روايتين مهمتين وهما «عندما تستيقظ الرائحة» و«النقطة الأبعد». يجب أن لا ننسى في هذا السياق أن العنوان نفسه في هذه الرواية تحديدا يشكل عتبه نصية مهمة تحيل إلى ثيمة الرواية، خصوصا إذا كان جزءا من لُحمة النص وسَداته، وليس طارئا على الرواية أو مُصاغا غبّ الانتهاء منها، كما يفعل كثير من الروائيين الذين لا يخططون للنص الروائي قبل الشروع في كتابته. تستهل دنى غالي «منازل الوحشة» بالجملة الآتية: «أتسلل من دون أن يشعرا بي لأستريح». فثمة تعب كبير تعاني منه الراوية التي تسرد النص بصيغة المتكلم. ثم تعزز هذا التعب بمنظر حديقتها «اليابسة»، وتعليتهم للسياج الخارجي الذي لم يستطع حماية البيت بسبب الأوضاع الأمنية المنفلتة. ومنْ يدقق في هذه الجملة الاستهلالية المعبرة سيجد أن لها علاقة وطيدة بكل صفحة من صفحات هذه الرواية العميقة التي تفحص الواقع العراقي، وتحلل مناخه السياسي، وتغوص في أعماق شخصياته التي استدرجتها الكاتبة إلى هذا النص المفجع في أحداثه، واللذيذ في لغته، والجميل ببنائه الفني المتقن. * الشخصية الإشكالية * لم تختر دنى غالي أي شخصية بسيطة أو ساذجة على مدار النص برمته. فحتى الشخصيات الثانوية التي ظهرت ثم توارت عن الأنظار سريعا كانت على شيء من التعقيد في أضعف الأحوال، أما الشخصيات الرئيسة الثلاث التي تقاسمت أدوار البطولة فهي شخصيات إشكالية بكل ما تنطوي عليه هذه الكلمة من معنى، بدءا من الابن سلوان، مرورا بأمه، راوية النص، وانتهاء بأبيه الذي قرر العودة من الخارج إلى العراق، ثم تعرض للتهديد والاختطاف، فهرب من بغداد ثانية خشية مما لا تحمد عقباه. تحتاج هذه الشخصيات الرئيسة الثلاث إلى متابعة وفحص دقيقين كي نقف على أبعادها السياسية والنفسية والدينية والاجتماعية، وربما تكون شخصية «سلوان» أعقدهم جميعا، ذلك لأن أمراضه المتعددة ظلت غامضة وعصية على التشخيص على الرغم من متابعة الأطباء الذين قدموا تشخيصات كثيرة ضاعفت من غموض مرضه الذي يشير من طرف خفي إلى اعتلال في صحة قلبه أو خلل في دمه، بينما يذهب صديق العائلة الدكتور حسام إلى أن «سلوان» يعاني من أمراض نفسية أكثر من معاناته من أمراض عضوية على الرغم من أن هذا الابن الكئيب والمنعزل لم يشترك في حربٍ معينة، لكنه يعاني من نتائجها الخطيرة التي تركت أثرا سيئا في سلوكه وعلاقته بأبويه وأصدقائه وببقية الناس المحيطين به. لابد من القول إن دنى غالي قد انتقت هذه الشخصيات الثلاث بعناية فائقة لتكشف من خلالهم شرائح واسعة من المجتمع العراقي الذي عانى من حروب متعددة، وحصار جائر، ونظام شمولي قمع الناس، وكمم أفواههم على مدى 35 عاما. وربما تكون هذه العائلة هي خير أنموذج للشخصية العراقية المقموعة والمخذولة في آن معا، بل إنها ارتضت بالانسحاب والانزواء مثل والد الراوية الذي كان ملاكا ثم أصبح تاجرا قبل أن ينسحب تماما من الحياة العامة، أو مثل أسعد الذي فكر بالخلاص الفردي كحل أخير تاركا زوجته وابنه وعائلته ضحايا مؤجلة للإرهابيين، واللصوص، ومثيري الفتن الطائفية. أما أم سلوان فهي موزعة بين ابنها المريض، وزوجها المخطوف الذي هرب أخيرا إلى عمان لأنه أصبح هدفا إلى أكثر من جماعة أخطبوطية تستهدف الأدباء والمثقفين والمتنورين. فهو لم يحمل من الشيوعية سوى تهمة الانتساب إليها، غير أن هذه التهمة سوف تلاحقه حتى النفس الأخير مثل لعنة أبدية. لم تقتصر هزيمة أسعد على الانسحاب والعزلة والنأي عن الوطن بسبب مواقفه الفكرية والثقافية فحسب، وإنما تمتد إلى هزيمته الشخصية المتمثلة بخذلانه العاطفي، وفشله في التواصل مع زوجته التي لم تأخذ هذا الفشل على محمل الجد. وربما خيانته السابقة التي سوف تكتشفها زوجته المخدوعة، حينما تقرأ الصفحة الأولى من مجموع 50 صفحة من الرزمة الأولى. كما أنه كان يشك في طبيعة علاقتها بابنهم سلوان الذي شب عن الطوق ولم يعد طفلا صغيرا، خصوصا أن هناك ما يعزز هذا الشعور حينما تخاطب نفسها قائلة: «سأموت لو تصور أنني خنته». وهي تقصد خيانتها مع الدكتور حسام الذي اضطر للمبيت معهم بسبب قتال مسلح اندلع قرب منزلهم وحال دون ذهابه إلى بيته. * ثيمات الرواية * تكمن أهمية هذه الرواية في تعدد المضامين التي استوعبتها من جهة، وفي طريقة معالجتها من جهة أخرى. فضمير المتكلم يبدو حياديا في سرده، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الشخصية التي لم نعرف اسمها طوال النص هي شخصية عراقية مثقفة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العليا في أضعف الأحوال، وقد أتمت تعليمها الجامعي، وتزوجت من أسعد الحاصل على الماجستير، والأستاذ الأكاديمي الذي أحيلت خدماته إلى أرشيف الجامعة كنوع من العقوبة، لأنه لم ينتمِ إلى حزب السلطة الحاكم آنذاك، كان يكتب مقالات فنية وأدبية يحتفظ بها لنفسه. وقد انتقل هذا الولع الثقافي إلى ابنه سلوان الذي توزع بين حب الكتابة الشعرية والاستماع للموسيقى العالمية. وقد ولد فيه هذا الاهتمام نوعا من التعالي على الثقافة المحلية وفنونها، فهو لا يعرف من الفنانين العراقيين إلا القليل، بينما يحفظ عن ظهر قلب أسماء السيمفونيات العالمية الشهيرة، ويستمع إليها يوميا من دون أن يدب إليه الملل. أبرز الثيمات التي عالجتها هذه الرواية هي الغربة القسرية، الحنين إلى الوطن، المداهمات الأميركية، الفتنة الطائفية، الملثمون، تفجير المراقد الدينية، الإرهاب، الاختطاف، الحب، الشك، الحرمان، الخيانة الزوجية، العجز الجنسي لاحقا وما إلى ذلك من المواضيع التي تعاطت معها الروائية دنى غالي غب عودة أسعد وعائلته إلى الوطن. ولأن هذه الرواية مكتوبة بمستويات زمكانية متعددة فقد تناولت الروائية ثيمات أخرى تسيدت في الزمن الديكتاتوري السابق مثل القمع، والملاحقة، والسجن، وابتزاز الملاكين والتجار والأثرياء، لكن التركيز كان منصبا على حقبة ما بعد 2003، بل إن الروائية دنى غالي قد ركزت على الحقبة الممتدة بين مطلع 2006 حتى نهاية 2008 تحديدا لأنها حقبة الاحتراب الطائفي المقيت الذي سببته أحزاب دينية متخلفة وفدت من وراء الحدود العراقية. لا يمكن الإحاطة بكل الشخصيات الثانوية، لكنني أجد من المناسب أن أتوقف عند شخصية أم الراوية، وهي الزوجة الثانية لوالد الراوية. وبغض النظر عن الفوارق الطبقية بين الاثنين، فهي من عائلة فلاحية فقيرة من عشيرة «السواعد»، بينما ينتمي زوجها الثري إلى عشيرة «الخضيري» المعروفة. لا شك في أن هذا النص المتشظي بأحداثه وشخصياته يحتاج إلى بؤرة تلم الثيمة الموضوعية، التي توزعت في ثلاثة بلدان وثلاث شخصيات رئيسة وعدد آخر من الشخصيات الفرعية، أبرزها الدكتور حسام وأم الراوية وأبيها، لكن الراوية ارتأت أن تنهي الرواية بالمشهد الصادم الذي يكشف خيانة زوجها مع جارتهم. وكأن الراوية تريد أن تقول إن الحرب تستهدف منظومة القيم الأخلاقية برمتها، وتطعنها في الصميم، كما أنها تفرق أبناء العائلة الواحدة، فكيف لا تستطيع أن تفرق شعبا متعدد الأقوام والمذاهب والأطياف؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

  مصر اليوم - منازل الوحشة شخصيات إشكالية أفرزتها حقبة الاحتراب الطائفي   مصر اليوم - منازل الوحشة شخصيات إشكالية أفرزتها حقبة الاحتراب الطائفي



  مصر اليوم -

GMT 09:54 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

جيجي حديد تفوز بلقب "أفضل عارضة أزياء عالمية"
  مصر اليوم - جيجي حديد تفوز بلقب أفضل عارضة أزياء عالمية

GMT 08:07 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

خدمة جديدة لإقامة خيمة مميّزة في أي مكان في العالم
  مصر اليوم - خدمة جديدة لإقامة خيمة مميّزة في أي مكان في العالم

GMT 13:03 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

أفكار جديدة لتزيين منزلك بأبسط المواد
  مصر اليوم - أفكار جديدة لتزيين منزلك بأبسط المواد

GMT 09:11 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

تخوف لدى الناتو من إقالة أنقرة للموالين لها
  مصر اليوم - تخوف لدى الناتو من إقالة أنقرة للموالين لها

GMT 10:18 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

لبنى عسل توضح حقيقة الخلاف مع تامر أمين
  مصر اليوم - لبنى عسل توضح حقيقة الخلاف مع تامر أمين
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -

GMT 16:04 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

إغلاق مخيم كالييه في بريطانيا يُنتج 750 طفلًا دون تعليم
  مصر اليوم - إغلاق مخيم كالييه في بريطانيا يُنتج 750 طفلًا دون تعليم

GMT 12:23 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

الشرطة الأميركية تؤكّد العثور على الفتاة المسلمة
  مصر اليوم - الشرطة الأميركية تؤكّد العثور على الفتاة المسلمة

GMT 11:37 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

علماء يكشفون أن القردة يُمكنها التحدّث مثل البشر
  مصر اليوم - علماء يكشفون أن القردة يُمكنها التحدّث مثل البشر

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016
  مصر اليوم - أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 08:16 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

سوبارو تكشف عن موديل "XV" وتعود إلى المنافسة
  مصر اليوم - سوبارو تكشف عن موديل XV وتعود إلى المنافسة

GMT 10:24 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

سانغ يونغ تطرح سيارة عائلية مميزة بسعر زهيد
  مصر اليوم - سانغ يونغ تطرح سيارة عائلية مميزة بسعر زهيد

GMT 09:44 2016 الخميس ,08 كانون الأول / ديسمبر

وفاء عامر تدين بالفضل لجمال عبد الحميد في حياتها الفنية
  مصر اليوم - وفاء عامر تدين بالفضل لجمال عبد الحميد في حياتها الفنية

GMT 11:00 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

غواص هولندي يلتقط صورًا لمخلوق بحري نادر
  مصر اليوم - غواص هولندي يلتقط صورًا لمخلوق بحري نادر

GMT 07:20 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

عاصي الحلاني يستعدّ لألبوم جديد مع "روتانا"

GMT 12:23 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

الشرطة الأميركية تؤكّد العثور على الفتاة المسلمة

GMT 11:26 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

أميرة بهاء تطرح مجموعتها الجديدة من الأزياء الشتوية

GMT 11:37 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

علماء يكشفون أن القردة يُمكنها التحدّث مثل البشر

GMT 13:03 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

أفكار جديدة لتزيين منزلك بأبسط المواد

GMT 09:44 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

خطوات بسيطة للحصول على جسد رياضي متناسق

GMT 08:07 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

خدمة جديدة لإقامة خيمة مميّزة في أي مكان في العالم

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 15:25 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

مشكلة بطارية آيفون 6 إس أكثر انتشاراً مما كانت آبل تعتقد

GMT 12:00 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

نجلاء محمود تطرح مجموعة ملفتة من إكسسوار شتاء 2017
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -
 
 Egypt Today Facebook,egypt today facebook,مصر اليوم الفيسبوك  Egypt Today Twitter,egypt today twitter,مصر اليوم تويتر Egypt Today Rss,egypt today rss,مصر اليوم الخلاصات  Egypt Today Youtube,egypt today youtube,مصر اليوم يوتيوب Egypt News Today,egypt news today,أخبار مصر اليوم

Powered and Developed by FilmMatters

Copyright © 2016 Egypttoday

Developed by FilmMatters

© 2016 Egypttoday

Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon