مصر اليوم - غوته وسحر الشرق

غوته وسحر الشرق

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - غوته وسحر الشرق

عبدالحسين شعبان

هل يمكن استحضار مواقف مفكرين وأدباء كبار من وزن الشاعر الألماني غوته والروائي الروسي تولستوي والزعيم الهندي غاندي والكاتب البريطاني برناردشو وغيرهم من الإسلام وقيمه السمحة مقابل الحملة المسعورة ضد الرسول محمد (ص) وردود الفعل الغاضبة والمنفلتة إزاءها؟ الأمر يتعلق بزاوية النظر اختيارًا  للهدف والأسلوب والدلالة، فكيف يمكن مقارنة ذلك الحضور البهي لمفكرين كبار بمحاولات تافهة هدفها الاستفزاز عبر صور ورسوم كاريكاتيرية أو فيلم يبث على الإنترنت أو أعمال عدائية . لعل هذه الخاطرة وردت في ذهني وأنا أقوم بزيارة إلى متحف غوته في مدينة فرانكفورت، حيث يعد يوهان فولفغانغ فون غوته واحدًا من الأدباء والشعراء الغربيين العظام بعد هوميروس ودانتي وشكسبير، فقد ولد في 28 أغسطس/آب العام 1749 في مدينة فرانكفورت الألمانية ومن أسرة مثقفة . أعجب غوته بالعرب والإسلام وحاول دراسة الأدب العربي واللغة العربية، وهو من  أهم من روّج لفكرة "الأدب العالمي"، المصطلح الذي يدلّ على مبادئ الاحترام للثقافات والحضارات المختلفة وعلى إيمان بالتنوّع والتعددية، فضلاً عن مبادئ التسامح والتواصل والتفاعل والمشترك الإنساني، من خلال آداب الشعوب وثقافاتها، إضافة إلى تعزيز علاقاتها على أسس السلام والشراكة بين البشر . وتحت هذه العناوين حاول غوته تقريب الثقافة العربية والإسلام من العقل الغربي، لافتًا الانتباه إلى كنوز المعرفة والثقافة العربية- الإسلامية . الشرق بسحره وغموضه شغل غوته منذ شبابه الأول، بكل ما فيه من أدب وشعر وثقافة وروحانيات، وقد كان غوته موسوعيًا بكل معنى الكلمة، إضافة إلى لغته الأصلية الألمانية، تعلّم الفرنسية والإنكليزية واليونانية واللاتينية والإيطالية والعبرية، وحاول تعلّم العربية والفارسية، كما درس العلوم المختلفة كالرياضيات والرسم والموسيقا والتصوير والنبات والطب والهندسة والسياسة . ولعل من الشخصيات التي أثّرت في حياته الشاعر والمسرحي الألماني شيلر الذي ارتبط معه بصداقة حميمة، وإذا كان والده يريد له دراسة القانون ليتخرّج محاميًا مثلما أرسله إلى جامعة لايبزغ، فقد انصرف هو إلى الأدب والكتابة واللهو، لكنه عاد إلى جامعة ستراسبورغ لينهي كلية الحقوق العام 1771 . وبقدر التأثير الإيجابي العميق للإسلام في شخصية كبيرة بهذا الحجم، كان لهذه الشخصية تأثيرها في مجتمعها، لاسيما بتقديم الصورة المشرقة للإسلام، بروح التسامح والتعارف والتآلف والتآزر والتواصل الإنساني، وقد استلهم روح الإسلام من أدباء وشعراء عرب ومسلمين، فضلاً عن طريقة عيش وثقافة وانفتاح، بكل يُسرٍ وتفاعل، في حين يحاول بعض المتأسلمين تقديم الإسلام في الغرب وفقًا لفهم آيديولوجي متزمت بعيدًا من روح العصر، خصوصًا عندما تقترن هذه الصورة بابن لادن وتنظيمات "القاعدة"والجماعات الأصولية والإرهابية . وعندما أصدر روايته "آلام فارتر"كان قد ذاع صيته، ثم شغل مناصب إدارية بما فيها وزارة في فايمار، ثم عاد ليتفرّغ إلى الأدب، لأن نزوعه الأول كان للحرية والانفتاح والتواصل الإنساني . درس غوته القرآن الكريم وتأثّر بأجواء الإسلام الروحانية، وكان قد نظم قصيدة موحية أشاد بها بالرسول محمد، وذلك عندما كان في عامه الثالث والعشرين، وتدريجيًا كانت روح الإسلام تتغلغل فيه حتى إنه عندما بلغ السبعين من العمر أعلن على الملأ وبصراحة ووضوح أنه يعتزم الاحتفال بخشوع في تلك الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبي محمد (في العشر الأواخر من شهر رمضان) . يقول غوته: "كلّما قرأت القرآن شعرت بأن روحي تهتز داخل جسمي". حاورت رفيقتي ونحن في المتحف بشأن رحلة غوته مع الإسلام التي زادت على أربعة عقود من الزمان، فسألتني هل أسلم؟ فقلت لها لقد كان مؤمنًا وتأثر بتعاليم الإسلام وروحانياته في سفر طويل بين الشباب والشيخوخة، وهو ما عبّر عنه بجلال واحترام، ولعل كل ما يدلّ عليه كان ينبض بروحانيات إنسانية إسلامية أو مسيحية مستوحاة من قيم ومثل تمثل المشترك لبني البشر . لكنني لا أظن أنه دخل الإسلام أو أصبح مسلمًا بالمعنى المحدد للكلمة، ويدلّ مؤلفه "فاوست"ثم "الديوان الغربي- الشرقي"، أن لا فرق لديه لو قيل إنه مسلم، وهو ما عبّر عنه برباعية في كتاب الحِكَم التي وردت فيها الدعوة إلى التسامح حين يقول: من حماقة الإنسان في دنياه/أن يتعصب كل منّا لما يراه وإذا كان الإسلام معناه أن الله يعني التسليم، /فعلى الإسلام نحيا ونموت أجمعين في مقطع آخر استوحى غوته سورة البقرة حين يقول: الله المشرق، الله المغرب، والأرض شمالاً والأرض جنوبًا، تسكن آمنة بين يديه! وتقول سورة البقرة "ولله المشرق والمغرب، فأينما تولّوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم". وفي ضوء سورة الأنعام الآية 97 كتب غوته يقول: هو الذي جعل لكم النجوم، لتهتدوا بها في البر والبحر، ولكي تنعموا بزينتها، وتنظروا دائمًا إلى السماء وذلك استلهامًا للنص القرآني "وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر، قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون". حفظ غوته الكثير من آيات القرآن حيث كان يرى فيه ثلاثية هارمونية عضوية تمثل: الروح والكلمة والخط، وذلك في تناسق منقطع النظير، ولكنه كان في الوقت نفسه ملتزمًا بتعاليم الكنيسة، ساعيًا إلى البحث عمّا هو مشترك من قيم إنسانية، وكان دائمًا يعظّم الجوامع ويُبعد الفوارق . تأثّر غوته بالمتنبي وأدرج بعض ملامح أشعاره في روايته "فاوست"، كما تأثّر بأبي تمام والمعلّقات وترجم بعضها إلى الألمانية بمساعدة معلّمه هيردر، وقرأ لامرئ القيس وطرفة بن العبد وعنترة وزهير بن أبي سلمى . ولعلّ كتاب "ألف ليلة وليلة"كان حاضرًا معه عندما ألّف كتابه "نزوة العاشق"، مثلما حضرت في الديوان الغربي- الشرقي أشعار مجنون بني عامر وحاتم الطائي والطغرائي . وللأسف فقد أغفلت الموسوعة البريطانية علاقة غوته بالإسلام وذكرت أن بعض أعماله التي لم يكملها "محمد". وقد نقل إلينا محمد عوض ترجمة فاوست عن الألمانية وأحمد حسن الزيات ترجم آلام فارتر، أما عباس محمود العقاد فقد نقل إلينا بعض روائع غوته، واطلعت مؤخرًا على كتاب كاتارينا مومزن عن غوته وبعض شعراء العصر الإسلامي الذي ترجمه عدنان عباس علي عن الألمانية، وهو جزء من ثلاثية قسمها الأول والثاني عنوانه "غوته والعالم العربي". وإذا أراد عالمنا العربي والإسلامي مواجهة المتطرفين والمتعصبين والعنصريين ودعاة الكراهية في الغرب وعندنا، فلا بدّ من إبراز هذا التراث والتاريخ والعلاقة الإنسانية السويّة بين الشرق والغرب، وهي الأساس الذي ينبغي أن نبني عليه في إطار المصالح المشتركة والحقوق الإنسانية، لاسيما في إطار الثقافة والأدب والتفاعل الإنساني، وليس بردود فعل أحيانًا هي الأخرى قد تسيء إلى مُثل الإسلام وقيمه، خصوصًا بعض أعمال الإرهاب والعنف التي ألحقت ضررًا بالإسلام قبل أعدائه أو خصومه . ولعل الوجه المشرق للعلاقة بين الأمم والشعوب هو الرد على بعض الأعمال الغربية المسيئة، "فَأَما الزبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَما مَا يَنْفَعُ الناسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ".

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

  مصر اليوم - غوته وسحر الشرق   مصر اليوم - غوته وسحر الشرق



  مصر اليوم -

أثناء تجولها في رحلة التسوق في نيويورك

فيكتوريا بيكهام تبدو أنيقة في فستان أزرق منقوش

نيويورك - مادلين سعادة
تألقت فيكتوريا بيكهام أثناء تجولها في رحلة التسوق في نيويورك، مرتدية فستان منقوش باللونين الأزرق والأبيض، يصل طوله إلى الكاحل. وأبرزت لياقتها البدنية وسيقانها الطويلة في زوج من الأحذية البيضاء بكعب فضي. وبدا الفستان ممسكًا بخصرها، مما أظهر رشاقتها المعهودة، ووضعت إكسسوار عبارة عن نظارة شمس سوداء، وحقيبة بنية من الفراء، وصففت شعرها الأسود القصير بشكل مموج. وشاركت الأسبوع الماضي، متابعيها على "انستغرام"، صورة مع زوجها لـ17 عامًا ديفيد بيكهام، والتي تبين الزوجين يحتضنان بعضهما البعض خلال سهرة في ميامي، فيما ارتدت فستان أحمر حريري بلا أكمام.  وكتبت معلقة على الصورة "يشرفنا أن ندعم اليوم العالمي للإيدز في ميامي مع زوجي وأصدقائنا الحميمين". وكانت مدعوة في الحفل الذي أقيم لدعم اليوم العالمي للإيدز، ووقفت لالتقاط صورة أخرى جنبًا إلى جنب مع رجل الأعمال لورين ريدينغر. وصممت فيكتوريا سفيرة النوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة المشترك العالمي، تي شيرت لجمع…

GMT 10:27 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

كيت هاكسيل تطلي الجدران بألوان مشرقة
  مصر اليوم - كيت هاكسيل تطلي الجدران بألوان مشرقة

GMT 09:42 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

مدينة بورتو تضم حزم الثقافة والتاريخ والحرف
  مصر اليوم - مدينة بورتو تضم حزم الثقافة والتاريخ والحرف

GMT 11:23 2016 الإثنين ,05 كانون الأول / ديسمبر

شقة كريستيان لوبوتان تعتبر مزيجًا من الأماكن المفضلة له
  مصر اليوم - شقة كريستيان لوبوتان تعتبر مزيجًا من الأماكن المفضلة له

GMT 11:09 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

عبد الناصر العويني يعترف بوجود منظومة قضائية مستبدة
  مصر اليوم - عبد الناصر العويني يعترف بوجود منظومة قضائية مستبدة

GMT 13:00 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية تلغي لقاء مارين لوبان
  مصر اليوم - هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية تلغي لقاء مارين لوبان

GMT 04:38 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

التعدد الإبداعيّ وإشكاليّة طفرة النصّ النقديّ

GMT 13:31 2016 السبت ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

المشاهد العربي وشيزوفرينيا "الممنوعات المرغوبة"!

GMT 06:53 2016 الأحد ,23 تشرين الأول / أكتوبر

معارض الكتب.. هوية حضارية أمام العالم

GMT 05:48 2016 الخميس ,20 تشرين الأول / أكتوبر

صفاقس وتجديد الفكر

GMT 05:51 2016 الثلاثاء ,18 تشرين الأول / أكتوبر

حينما تجلّت بين يديه: اقترابات التجاذب النّسقي بين الحواس

GMT 05:10 2016 الأحد ,16 تشرين الأول / أكتوبر

رواية "بعد رحيل الصمت" تقنية ثقافة الحظر

GMT 04:43 2016 الأحد ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الثقافةُ المعاصرةُ، أزمة ٌ بلا حلول
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -

GMT 12:32 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

طلاب يقترعون لصالح الحصول على "كراسي القيلولة"
  مصر اليوم - طلاب يقترعون لصالح الحصول على كراسي القيلولة

GMT 14:16 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

رغم أن الرجال لا يسمحون لهن بإمساك هواتفهم المحمولة
  مصر اليوم - رغم أن الرجال لا يسمحون لهن بإمساك هواتفهم المحمولة

GMT 12:43 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

إعادة إنتاج محرِّك للسيارات يعود للحرب العالمية الثانية
  مصر اليوم - إعادة إنتاج محرِّك للسيارات يعود للحرب العالمية الثانية

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016
  مصر اليوم - أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 12:21 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

شركة "نيسان" تختبر تكنولوجيا السيَّارات ذاتيَّة القيادة
  مصر اليوم - شركة نيسان تختبر تكنولوجيا السيَّارات ذاتيَّة القيادة

GMT 11:18 2016 الإثنين ,05 كانون الأول / ديسمبر

شركة "شيفروليه" تطرح سيارتها المميّزة "كروز 2017"
  مصر اليوم - شركة شيفروليه تطرح سيارتها المميّزة كروز 2017

GMT 09:40 2016 الأحد ,04 كانون الأول / ديسمبر

مروان خوري يشيد بمشاركته في مهرجان الموسيقى العربية
  مصر اليوم - مروان خوري يشيد بمشاركته في مهرجان الموسيقى العربية

GMT 10:34 2016 الإثنين ,05 كانون الأول / ديسمبر

"فوود كلاود" يساهم في توزيع الطعام المهُدر
  مصر اليوم - فوود كلاود يساهم في توزيع الطعام المهُدر

GMT 09:45 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

إلهام شاهين تعرب عن سعادتها بنجاح "يوم للستات"

GMT 14:16 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

رغم أن الرجال لا يسمحون لهن بإمساك هواتفهم المحمولة

GMT 09:52 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

أسماء عبد الله تُصمم مجموعة متميزة من الأزياء الشتوية

GMT 12:43 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

إعادة إنتاج محرِّك للسيارات يعود للحرب العالمية الثانية

GMT 11:23 2016 الإثنين ,05 كانون الأول / ديسمبر

شقة كريستيان لوبوتان تعتبر مزيجًا من الأماكن المفضلة له

GMT 08:38 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

دراسة تؤكد خفض المكسرات من أمراض القلب

GMT 09:42 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

مدينة بورتو تضم حزم الثقافة والتاريخ والحرف

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 12:55 2016 الإثنين ,05 كانون الأول / ديسمبر

لينوفو تكشف عن موعد إطلاق هاتف Phab2
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -
 
 Egypt Today Facebook,egypt today facebook,مصر اليوم الفيسبوك  Egypt Today Twitter,egypt today twitter,مصر اليوم تويتر Egypt Today Rss,egypt today rss,مصر اليوم الخلاصات  Egypt Today Youtube,egypt today youtube,مصر اليوم يوتيوب Egypt News Today,egypt news today,أخبار مصر اليوم

Powered and Developed by FilmMatters

Copyright © 2016 Egypttoday

Developed by FilmMatters

© 2016 Egypttoday

Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon