مصر اليوم - التحرش فى الميدان

التحرش فى الميدان

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - التحرش فى الميدان

وائل عبد الفتاح

هل ستحولنا الثورة إلى ملائكة؟ أتمنى أن أسأل كل من يصدم بالتحرش الجنسى فى ميدان التحرير. الصدمة تشير إلى حالة إنكار لا يفيد حتى فى محور الشعور بالإهانة والألم النفسى. تخيل أنك وسط ملايين تهتف من أجل الحرية.. ثم يهبط فجأة مجرمون ويسلبونك من إرادتك.. ويتعاملون مع جسدك كأى فريسة.. هذا فى وسط لحظة الشعور بمنتهى قوتك.. وأنت تواجه سلطة تتكسر كل يوم أداة قمعها الشرسة.. نعم أنت فى ميدان وسط ملايين تتحدى.. آلة قمع السلطة التى تبدأ قمعها بالجسد.. تضربه وتدهسه وتسحله.. وتقتله.. وتتكسر هذه السلطة بتحديها.. بالوقوف فى وجهها: «لست خائفا» لكن مجرما.. لا يفتقد إلى الخسة.. يتسرب وسط الجموع ليسرق هذه المرة هذه الروح.هذا هو التحرش فى الميدان بكل التوحش والخسة. والمدهش أكثر من المتحرش هو الشامت الذى يتصور أنه يحمل دليلا ضد الثورة بإعلانه أن فى الميدان تحرشا جنسيا.هذا نوع رخيص من التواطؤ.. لا ينافسه سوى من يطالب بالصمت حفاظا على سمعة الميدان.. هما نوع واحد من الخسة.. مقسوم على فريقين.. الثورة كما كتبت مرة البحث عن القوة فى مناطق الضعف، وهذا ما يجعلنا نواجه خطايانا وجرائمنا لا ننكرها ونداريها أو نضع عليها ستائر ملونة أمام الضيوف.. ومنذ سنوات توقفت أمام المعنى السياسى لحفلات التحرّش الجماعى.. وقلت إنه ربما يكون صادما لبعض المنتظرين لأمل الإصلاح، لكنه معنى يكبر كل يوم.«التغيير سيأتى مثل حركة البخار فى إناء محكم الإغلاق».. النظام بأجهزته الأمنية وصحافته أنكرت «حفلات التحرش الجماعية» قبل الثورة، لكنها اضطرت إلى الاعتراف بها. طاردت مراهقين عشوائيين هبطوا على المدينة فى عصابات شبه منظّمة يمارسون الفرحة بالعيد على طريقتهم. «إذا كان هذا هو الفرح... فكيف سيكون الغضب؟» كان السؤال وإجابته المتاحة: «اقتناص المتع بهذه الطريقة سيصبح عادة. وسيهبط المطرودون من رحمة النظام على قلب المدينة. يحاولون استعادة حقوقهم وساعتها سيأتون على الأخضر واليابس». كان البعض وقتها يتخيل مشاهد «ثورات الجوع» فى الأفلام التاريخية، وتكملها تنظير سياسى يسير إلى أن: «أحزمة البؤس المحيطة بالعاصمة ستنتقم وستوجّه انتقامها إلى منتجعات الأغنياء. وسيكون هذا هو ردّ الفعل المتاح على سنوات الظلم والطرد من العناية».ربما كانت حفلات التحرش فى شكلها الأولى رد فعل على تحوّل القاهرة إلى مدن بلا شوارع وبلا مكان عمومى لممارسة الحرية. الحرية فى تصميم النظام السياسى ليست علنية، بل سرية ومن حق أقليات مختارة وتُمارس خلف أسوار مستعمرات الأغنياء. والنخبة السياسية -حتى المعارضة- لم تهتم بتحرير الشارع إلا مع تظاهرات «كفاية»، التى حاولت كسر الأسوار. وحدهم «الرعاع» و«العشوائيون» القادمون من جهات الفقر فى القاهرة هم الذين يحاولون كسر علامات السلطة فى وسط المدينة. يحاولون اقتناص مساحتهم رغما عن قوانين السلطة، فيسيرون فى منتصف الطريق فى شوارع وسط البلد، ويحتلّ بائعو البضائع الرخيصة الأرصفة وتقاطع شوارع العاصمة.هكذا يمكن اعتبار حفلات التحرش احتفال «هستيريا جماعية» خارج السيطرة. جمهور الهياج الجماعى كله من المراهقين والشباب. وهذا يعنى -حسب الدكتور أحمد عكاشة- أن «كلا منهم مملوء بطاقات جنسية يصعب التنفيس عنها فى مجتمع مثل مجتمعنا. والحل كان فى امتصاص تلك الطاقة عبر قنوات مثل الإيمان والانتماء لعقيدة أو فكرة أو حزب سياسى والرياضة والفن. لكن إذا نظرت إلى ما يحدث فى مصر، فستجد أن قنوات امتصاص الطاقة الجنسية مسدودة. الرياضة أصبحت رفاهية لا تمارسها سوى قلّة قادرة، حتى المدارس هى كتل أسمنتية يحشر فيها الطلاب ولا يمارسون رياضة ولا غيرها. كذلك فإنه ليس مسموحا لطالب الجامعة الانضمام إلى مبادئ وعقائد أو أحزاب سياسية. يبقى الفن الذى كان الهادف والممتع منه يكفى لامتصاص الطاقات المكبوتة، إلا أن الإعلام تحوّل الآن إلى طرب وتسلية بلا ثقافة، واختزل الدين إلى طقوس من دون الجوهر». ثورات القطيع أو الرعاع أو العشوائيين ليست ضد السلطة، ولكنها ضد المجتمع. النخبة القديمة والعجوز قد لا تهتم بحرية امرأة فى السير بحريتها فى الشارع من دون تحرشات. لا تعتبر النظرة التقليدية للسياسة أن حرية السير فى الشارع هى حق سياسى. وأن الهستيريا الجماعية التى تتحرك مثل القطيع وراء قطعة لحم يريدون تعريتها أو لمسها بالقوة. قوة القطيع وفوضى الرغبات المكبوتة، هذه الهستيريا هى تعبير سياسى وإن كانت التعليقات المكتوبة فى المدوّنات فيها بعض المبالغة أو التهويل. ثورة الجوع الجنسى سياسية بمفهوم أوسع من الذى تعوّدنا عليه. وهى ليست مجرد سقطة أخلاقية جماعية أو أخطاء أمنية فى حماية المواطنين. لكنها جزء من فكرة أكبر، وهى أن المجتمع فى مصر فاقد إلى قانون يرسم العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الفرد والسلطة. وهو المنطق نفسه الذى يطارد به الشباب فتاة فى الشارع، فهم طامعون فيها ولكن قبل ذلك يقومون بتعريتها من حقها ويمارسون عليها رقابة أخلاقية تضعها فى خانة «المثيرات جنسيا» ويحق عليها العقاب: التحرش والمضايقة كنوع من ممارسة سلطة سلبية تمنع النساء من حق الحرية والأمان فى الشارع. ربما لا تكون ثورة الجوع الجنسى جديدة. لكنْ هناك احتياجا إلى «ثورة مضادة» تطالب بشارع نظيف من التحرش. وربما ستكون حركتها هى الأقوى فى طريق الإصلاح السياسى لأنها ترفض سيطرة الغوغاء على الشارع بنفسية الضعيف الذى يقتنص فريسته وفق قانون يخضع للأقوياء ويحميهم، بينما يترك الضعفاء فى حرب أهلية. إنها ثورة ضد الخوف، ضدّ السلطة والغوغاء معا. وهى قضية أعتقد أن الكلام لم ينته فيها بعد. نقلاً عن جريدة "التحرير""

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

  مصر اليوم - التحرش فى الميدان   مصر اليوم - التحرش فى الميدان



  مصر اليوم -

GMT 12:00 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

نجلاء محمود تطرح مجموعة ملفتة من إكسسوار شتاء 2017
  مصر اليوم - نجلاء محمود تطرح مجموعة ملفتة من إكسسوار شتاء 2017

GMT 08:30 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

مقاهي وبارات شربش تمنحك أفضل أنواع النبيذ
  مصر اليوم - مقاهي وبارات شربش تمنحك أفضل أنواع النبيذ

GMT 09:19 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

فاتن أحمد تبتكر شموعًا تضاء ليلًا دون إنارتها
  مصر اليوم - فاتن أحمد تبتكر شموعًا تضاء ليلًا دون إنارتها

GMT 11:02 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

ماجدة القاضي تؤكد فخرها بالعمل في التليفزيون المصري
  مصر اليوم - ماجدة القاضي تؤكد فخرها بالعمل في التليفزيون المصري

GMT 14:26 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

التوفيق بين إيران وبوتين

GMT 14:25 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

حول قضايا الاستثمار

GMT 14:23 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

أحرجتنا ماليزيا

GMT 14:21 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

لو لم يتدخل الرئيس والجيش

GMT 14:20 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

تاريخ ما أهمله التاريخ.. حفيد الباشا الثائر

GMT 14:18 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

حضور المؤيدين وغيابهم

GMT 14:16 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

رجل فى غير مكانه!

GMT 14:13 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

مصر والسعودية: هل وقعتا فى الفخ؟
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -

GMT 07:41 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

أفضل أماكن للتعلم في أوروبا وبأسعار منخفضة وملائمة
  مصر اليوم - أفضل أماكن للتعلم في أوروبا وبأسعار منخفضة وملائمة

GMT 10:13 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

عرض خيري لشرب فنجان قهوة مع إيفانكا ترامب
  مصر اليوم - عرض خيري لشرب فنجان قهوة مع إيفانكا ترامب

GMT 10:45 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

انضمام الزراف إلى قائمة الأنواع المهددة بالانقراض
  مصر اليوم - انضمام الزراف إلى قائمة الأنواع المهددة بالانقراض

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016
  مصر اليوم - أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 09:48 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

بنتلي تقدم أسرع سيارة دفع رباعي في العالم
  مصر اليوم - بنتلي تقدم أسرع سيارة دفع رباعي في العالم

GMT 14:42 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

طرح "شيفروليه أباتشي" موديل 1959 في مزاد علني
  مصر اليوم - طرح شيفروليه أباتشي موديل 1959 في مزاد علني

GMT 10:13 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

مي عمر تعرب عن سعادتها بالتمثيل أمام عادل إمام
  مصر اليوم - مي عمر تعرب عن سعادتها بالتمثيل أمام عادل إمام

GMT 12:19 2016 الخميس ,08 كانون الأول / ديسمبر

إنقراض ثلث الدببة القطبية خلال 40 عامًا مقبلة
  مصر اليوم - إنقراض ثلث الدببة القطبية خلال 40 عامًا مقبلة

GMT 09:58 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

غادة عبد الرازق تؤدي دورًا مختلفًا في "أرض جو"

GMT 10:13 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

عرض خيري لشرب فنجان قهوة مع إيفانكا ترامب

GMT 15:34 2016 الخميس ,08 كانون الأول / ديسمبر

الموديل لوتي موس تسير على خُطى شقيقتها وتعرض أزياء شانيل

GMT 10:45 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

انضمام الزراف إلى قائمة الأنواع المهددة بالانقراض

GMT 09:19 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

فاتن أحمد تبتكر شموعًا تضاء ليلًا دون إنارتها

GMT 09:06 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

فوائد جديدة لنظام الحمية في منطقة البحر المتوسط

GMT 08:30 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

مقاهي وبارات شربش تمنحك أفضل أنواع النبيذ

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 15:25 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

مشكلة بطارية آيفون 6 إس أكثر انتشاراً مما كانت آبل تعتقد

GMT 10:27 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

كيت هاكسيل تطلي الجدران بألوان مشرقة
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -
 
 Egypt Today Facebook,egypt today facebook,مصر اليوم الفيسبوك  Egypt Today Twitter,egypt today twitter,مصر اليوم تويتر Egypt Today Rss,egypt today rss,مصر اليوم الخلاصات  Egypt Today Youtube,egypt today youtube,مصر اليوم يوتيوب Egypt News Today,egypt news today,أخبار مصر اليوم

Powered and Developed by FilmMatters

Copyright © 2016 Egypttoday

Developed by FilmMatters

© 2016 Egypttoday

Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon