مصر اليوم - عُمراننا الذى فسد

عُمراننا الذى فسد

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - عُمراننا الذى فسد

فهمي هويدي

حين وقعت على صورتين لمبنى الإسكندرية البديع قبل وبعد الانقضاض عليه وتشويهه قلت إنهما صورتان لمصر قبل الثورة وبعدها. ولا يحسبن أحد أن لدى أى تعاطف مع نظام ما قبل الثورة الذى أطل علينا بعض أذنابه برءوسهم هذه الأيام. ذلك أننى، أعتبره فاعلا أصيلا فى الجريمة، لأنه من زرع الفساد الذى كان تشويه المبنى ووجه مصر كلها من بعض حصاده. أتحدث عن الصورة التى أبرزتها جريدة «الأهرام» على صفحتها الأولى يوم الأربعاء الماضى 6/11، التى أظهرت لنا بناية أثرية فى الإسكندرية تنتسب إلى الطراز الإيطالى، انقض عليها أحدهم فهتك جمالها وأزال ما فيها من بهاء وأصالة، لكى يضيف إليها بعض الطوابق، ويضفى على البناية مسخا ودمامة لكى يتكسب من ورائهما بما يشبع نهمه وجشعه. وتلك ليست حالة استثنائية، لأنها صارت تعبيرا عن ظاهرة تفشت فى الإسكندرية حتى أتت على وجه المدينة الصبوح، وملأته بالندوب والتشوهات. وقد حمدت للأهرام ما نشره ليس فقط لأنه سلط الضوء على الواقعة التى أزعم أنها بمثابة جرس إنذار ينبه إلى الظاهرة، وإنما أيضا لأنه اعتنى بشىء مما يحدث على أرض الواقع ويهم المجتمع. وهو ما يعد خروجا على مألوف الصحافة وبقية وسائل الإعلام فى مصر، المستغرقة فى ملاحقة تجاذبات وصراعات النخبة، بما تستصحبه من ثرثرة وتكهنات، بعضها يتعلق بفرعون مصر القادم، والبعض الآخر يدور فى فلك جهود الكهنة وحظوظهم، إلى غير ذلك من العناوين مقطوعة الصلة بالهموم الحقيقية للمجتمع. لقد دعا الأهرام إلى محاسبة مالك العقار، لكنى أزعم أنه ليس الجانى الوحيد، لأن فساد المحليات له دوره فى التستر على مثل هذه الجرائم والترخيص بها فى كثير من الأحيان، كما أن انشغال السلطة بالأمن السياسى وانصرافها عن أمن المجتمع. شجع أمثال هذا المالك على ان يتجرأوا على القانون، وهم مطمئنون إلى أن الدولة غائبة ومنشغلة بغيرهم. ثم إننا لا نستطيع أن نعفى الرقابة الشعبية من المسئولية أيضا. حيث من حقنا أن نسأل: لماذا أغمض المجتمع أعينه عما جرى لهذه البناية التاريخية وغيرها، ولماذا لم يتحرك ممثلو المجتمع ونخبه التليفزيونية للدفاع عن جماليات المكان وبهائه. أعترف بأن لدى فضلا عما سبق دافعى الخاص فى انتقاد هذه الفوضى التى ملأت وجه مصر بالدمامة والقبح. ذلك أننى أسكن فى حى هادئ بمصر الجديدة، تعرض لهجمة تتارية من ذلك القبيل الذى نحن بصدده خلال السنوات الثلاث الأخيرة. فتحول من منطقة سكنية وادعة إلى ساحة مورست فيها مختلف أشكال العربدة العمرانية التى ملأت الحى فى غفلة من الجميع بالأبراج العالية والمقاهى الصاخبة، حتى صار سكانه يشعرون بغربة شديدة. ولا يجدون من يجيب عن تساؤلاتهم التى لا تتوقف عن شبكة المصالح وثغرات القانون ومظان الفساد التى وقفت وراء ذلك الانقلاب الذى حول حياة السكان إلى جحيم طارد لراحتهم، بل طارد لوجودهم فيه. إننى لا أخفى شعورا بالذنب وأنا أكتب هذه الكلمات التى ظللت أحبسها طول الوقت وأتاحت لى واقعة الإسكندرية أن أبوح بها أخيرا، ذلك أننى استشعر حرجا شديدا حين أبث هموم بعض سكان المدن سواء تعلقت بجمالياتها أو فساد العمران فيها، لأننى أعرف جيدا أن معاناة وعذابات أهلنا فى أنحاء الدلتا وفى صعيد مصر وفى سيناء، أضعاف هذا الذى نشكو منه، وقد يبدو هذا الذى نتحدث عنه نوعا من الترف الممجوج، لأن هؤلاء البعيدين عن القلب وعن العين يحسدوننا على هذا الذى نتبرم به ونتأفف منه، ذلك أنهم يعيشون فى ظل جحيم من نوع آخر، أقسى وأفدح. بين أناس يشربون مياها ملوثة، وآخرين لم يعرفوا التيار الكهربائى أو الصرف الصحى، وأناس يعانون من البلهاريسيا والكبد والوبائى، ويفتقدون إلى أبسط الخدمات التى تحفظ لهم الحد الأدنى من الإنسانية، فى التعليم والصحة والإسكان. كما يتضاعف شعورى بالخجل حين أشكو من زحف الأبراج وفوضى المقاهى وضجيجها، فى حين أجد أن 40٪ من أبناء الشعب المصرى يعيشون تحت حد الفقر. صحيح أننا نتفاوت فى المعاناة، إلا أن ذلك لا يغيب حقيقة أننا جميعا ضحية الدولة الظالمة، التى شغلتها مغانم السطة عن رعاية مصالح الخلق، فقوى الرأس وتهتك الجسد، وحين صرنا بلا عافية ولا حول شاع بيننا فساد العمران وعانى منه الجميع فى المدن والقرى. نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

  مصر اليوم - عُمراننا الذى فسد   مصر اليوم - عُمراننا الذى فسد



  مصر اليوم -

GMT 12:00 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

نجلاء محمود تطرح مجموعة ملفتة من إكسسوار شتاء 2017
  مصر اليوم - نجلاء محمود تطرح مجموعة ملفتة من إكسسوار شتاء 2017

GMT 08:30 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

مقاهي وبارات شربش تمنحك أفضل أنواع النبيذ
  مصر اليوم - مقاهي وبارات شربش تمنحك أفضل أنواع النبيذ

GMT 09:19 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

فاتن أحمد تبتكر شموعًا تضاء ليلًا دون إنارتها
  مصر اليوم - فاتن أحمد تبتكر شموعًا تضاء ليلًا دون إنارتها

GMT 11:02 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

ماجدة القاضي تؤكد فخرها بالعمل في التليفزيون المصري
  مصر اليوم - ماجدة القاضي تؤكد فخرها بالعمل في التليفزيون المصري

GMT 14:27 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

من أحب 2016 سيعشق 2017

GMT 14:26 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

الحكومة ومسلسل الصدمات

GMT 14:24 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

هل الكتابة خدعة؟

GMT 14:22 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

داعش.. مستمرة!

GMT 14:21 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

المتمردة والخرونج

GMT 14:18 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

وزيران للخارجية!

GMT 14:16 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

القضاء رمانة الميزان فى مصر

GMT 14:10 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

أين حقوق المستهلكين؟
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -

GMT 07:41 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

أفضل أماكن للتعلم في أوروبا وبأسعار منخفضة وملائمة
  مصر اليوم - أفضل أماكن للتعلم في أوروبا وبأسعار منخفضة وملائمة

GMT 10:13 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

عرض خيري لشرب فنجان قهوة مع إيفانكا ترامب
  مصر اليوم - عرض خيري لشرب فنجان قهوة مع إيفانكا ترامب

GMT 10:45 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

انضمام الزراف إلى قائمة الأنواع المهددة بالانقراض
  مصر اليوم - انضمام الزراف إلى قائمة الأنواع المهددة بالانقراض

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016
  مصر اليوم - أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 09:48 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

بنتلي تقدم أسرع سيارة دفع رباعي في العالم
  مصر اليوم - بنتلي تقدم أسرع سيارة دفع رباعي في العالم

GMT 14:42 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

طرح "شيفروليه أباتشي" موديل 1959 في مزاد علني
  مصر اليوم - طرح شيفروليه أباتشي موديل 1959 في مزاد علني

GMT 10:13 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

مي عمر تعرب عن سعادتها بالتمثيل أمام عادل إمام
  مصر اليوم - مي عمر تعرب عن سعادتها بالتمثيل أمام عادل إمام

GMT 12:19 2016 الخميس ,08 كانون الأول / ديسمبر

إنقراض ثلث الدببة القطبية خلال 40 عامًا مقبلة
  مصر اليوم - إنقراض ثلث الدببة القطبية خلال 40 عامًا مقبلة

GMT 09:58 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

غادة عبد الرازق تؤدي دورًا مختلفًا في "أرض جو"

GMT 10:13 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

عرض خيري لشرب فنجان قهوة مع إيفانكا ترامب

GMT 15:34 2016 الخميس ,08 كانون الأول / ديسمبر

الموديل لوتي موس تسير على خُطى شقيقتها وتعرض أزياء شانيل

GMT 10:45 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

انضمام الزراف إلى قائمة الأنواع المهددة بالانقراض

GMT 09:19 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

فاتن أحمد تبتكر شموعًا تضاء ليلًا دون إنارتها

GMT 09:06 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

فوائد جديدة لنظام الحمية في منطقة البحر المتوسط

GMT 08:30 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

مقاهي وبارات شربش تمنحك أفضل أنواع النبيذ

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 15:25 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

مشكلة بطارية آيفون 6 إس أكثر انتشاراً مما كانت آبل تعتقد

GMT 10:27 2016 الثلاثاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

كيت هاكسيل تطلي الجدران بألوان مشرقة
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -
 
 Egypt Today Facebook,egypt today facebook,مصر اليوم الفيسبوك  Egypt Today Twitter,egypt today twitter,مصر اليوم تويتر Egypt Today Rss,egypt today rss,مصر اليوم الخلاصات  Egypt Today Youtube,egypt today youtube,مصر اليوم يوتيوب Egypt News Today,egypt news today,أخبار مصر اليوم

Powered and Developed by FilmMatters

Copyright © 2016 Egypttoday

Developed by FilmMatters

© 2016 Egypttoday

Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon