مصر اليوم - القاهرة وتوحش المدينة 34

القاهرة وتوحش المدينة (3-4)

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - القاهرة وتوحش المدينة 34

عمار علي حسن

ويبقى للقاهرة وضع خاص، لا يعرفه غيرها من المدن، وهو «سُكنى المقابر»، إذ فى مصر، التى قدست الموت وقدرت الموتى منذ آلاف السنين، يمكن للأحياء أن يعيشوا مع الأموات فى مكان واحد. نظراً لتفاقم أزمة السكن، ومع تميز المقابر المصرية بالامتداد الأفقى الكبير، علاوة على أن مناطق المقابر مهندسة ومنتظمة حيث الشوارع المتقاطعة الوسيعة، بما تحرم منه العشوائيات، فضلاً عن تشجيرها، بما جعلها منطقة جذب بالنسبة للطبقات الفقيرة، لا سيما بعد أن أحاطت المبانى الحديثة بمناطق «القرافات»، وأصبح بعضها أقرب إلى قلب المدينة من أحياء كثيرة، ترتفع فيها أسعار الشقق، ولا يستطيع تملكها إلا القادرون. وهناك مدن عربية عرفت ظاهرة «المخيمات» التى يقطنها اللاجئون، والمخيم، حسب تعريف الأونروا، هو «قطعة من الأرض، تكون إما حكومية أو فى أغلب الحالات استأجرتها الحكومات المستضيفة من الملاك المحليين، ووضعتها تحت تصرف الأونروا لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين فى تسهيل احتياجاتهم الأساسية، ولا يمكن لسكان المخيمات تملك هذه الأراضى، ولكن لهم الحق فى الاستفادة منها للسكنى فقط». وتعد «المخيمات الفلسطينية» الموجودة فى لبنان والأردن والضفة الغربية لفلسطين مثالاً واضحاً على ذلك، وهى تعانى من كثافة سكانية كبيرة، وفقر مدقع، وقلة فى الخدمات، وتراجع مستوى البنى التحتية. وإثر تحول الثورة السورية إلى حرب أهلية نزح ملايين السوريين إلى الأردن وتركيا ولبنان، وقطنوا مخيمات جديدة. وقد انشغل الأدباء بهذه التجمعات السكانية البائسة، سواء كانت عشوائيات أو قرافات، ليبحثوا فيها عن قصص غير عادية لا تعرفها المدينة. وفى وقت مبكر تنبه يوسف إدريس إلى سكان مثل هذه الأحياء فكتب روايته القصيرة «قاع المدينة»، لكن الجيل الجديد من الروائيين المصريين أعطى لهؤلاء مساحة واسعة فى إبداعه القصصى والروائى، ولعل رواية «فاصل للدهشة» لمحمد الفخرانى، هى الأبرز فى هذا المضمار. وعلى المنوال ذاته سارت السينما، فبعد عقود من الحديث عن الواقعية التى بدأت بفيلم «العزيمة» جاء مطلع الألفية الثالثة ليجد السينمائيون أمامهم نماذج اجتماعية جارحة لا يمكن إغفالها، فولد فيلم مثل «حين ميسرة» وما على شاكلته. والتوزع المعمارى لأحياء المدن، المتفرق على عتبات التاريخ، يعكس الصراع الاجتماعى الضارى بين الطبقات، ويرسم ملامح سكان المدينة، وطبيعة المشكلات التى يعانون منها مثل الجريمة المنظمة والفردية، حيث السرقة دوماً، والنهب والسلب أحياناً، وتفشى البطالة الجارحة، ووجود الآلاف من المشردين الهائمين على وجوههم وتحت الجسور سواء من أطفال الشوارع أو بعض المرضى النفسيين الذين لفظهم أهلهم أو هربوا هم منهم ولا يجدون لهم مكاناً فى المصحات المكتظة بنظرائهم، وانتشار ظاهرة الإدمان على المخدرات والاتجار بها، علاوة على التعصب العرقى والمذهبى، والتهميش الاجتماعى، والتوتر المستمر بين أرباب العمل والعمال، والزحام وأزمات المرور، والغش التجارى. وليس كل سكان المدينة سواء، فهناك من ولدوا فيها، فشربوا من طباعها الخشنة، وتواءموا مع تجهمها وقلة اعتنائها بأهلها، وهناك من أتوا إليها بعد أن ناموا طويلاً بين جدران الطمى، ومشوا على الجسور وسط عجيج ترابها يطالعون الزرع والضرع، وسمعوا من الجدات الجالسات فوق تلة الزمن حكايات عن الخير الذى يفوز حتماً، والشر الذى ينهزم دوماً. يتقابل أفراد هذين الفريقين فى شوارع المدينة، ويتفاعلون بلا انقطاع، من خلال التجاور فى السكن، وعلاقات العمل، وتبادل المنافع والمصالح، وتقسيم الجهد، وتوزع التخصصات. والمدينة هى القبلة الدائمة التى يحلم أغلب أهل الريف بالتوجه إليها، ليس فقط للبحث عن الرزق أو التحقق، إنما أيضاً من أجل المتعة والنزهة والترفيه. ففى المدينة توجد دور السينما والمسارح والملاهى والمتنزهات والمكتبات والمتاجر الكبرى التى تبيع كل شىء. وفيها يمكن لابن القرية أن يكون أكثر حرية، حيث لا أحد يعرفه، ولا أحد يعد عليه أقواله وأفعاله، لكنه بالقطع سيكون غريباً، خاصة إن كان فقيراً معدماً، أو لم تكن لديه خبرة سابقة فى التعامل مع المدينة وأهلها. (ونكمل غداً إن شاء الله تعالى)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

  مصر اليوم - القاهرة وتوحش المدينة 34   مصر اليوم - القاهرة وتوحش المدينة 34



  مصر اليوم -

GMT 09:54 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

جيجي حديد تفوز بلقب "أفضل عارضة أزياء عالمية"
  مصر اليوم - جيجي حديد تفوز بلقب أفضل عارضة أزياء عالمية

GMT 08:07 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

خدمة جديدة لإقامة خيمة مميّزة في أي مكان في العالم
  مصر اليوم - خدمة جديدة لإقامة خيمة مميّزة في أي مكان في العالم

GMT 13:03 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

أفكار جديدة لتزيين منزلك بأبسط المواد
  مصر اليوم - أفكار جديدة لتزيين منزلك بأبسط المواد

GMT 09:11 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

تخوف لدى الناتو من إقالة أنقرة للموالين لها
  مصر اليوم - تخوف لدى الناتو من إقالة أنقرة للموالين لها

GMT 10:18 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

لبنى عسل توضح حقيقة الخلاف مع تامر أمين
  مصر اليوم - لبنى عسل توضح حقيقة الخلاف مع تامر أمين

GMT 10:03 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

دولارات الأتراك!

GMT 09:59 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

العدالة الكسيحة فى نظام التقاضى المصرى!

GMT 09:58 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

من مفكرة الأسبوع

GMT 09:57 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

القتل .. والعلم والفن

GMT 09:45 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

سعدى علوه: اغتيال النهر وناسه

GMT 09:43 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

قمة البحرين وطريق المستقبل

GMT 09:42 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

قديم لا يغادر وجديد لمّا يأت بعد
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -

GMT 07:41 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

أفضل أماكن للتعلم في أوروبا وبأسعار منخفضة وملائمة
  مصر اليوم - أفضل أماكن للتعلم في أوروبا وبأسعار منخفضة وملائمة

GMT 12:23 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

الشرطة الأميركية تؤكّد العثور على الفتاة المسلمة
  مصر اليوم - الشرطة الأميركية تؤكّد العثور على الفتاة المسلمة

GMT 11:37 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

علماء يكشفون أن القردة يُمكنها التحدّث مثل البشر
  مصر اليوم - علماء يكشفون أن القردة يُمكنها التحدّث مثل البشر

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016
  مصر اليوم - أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 08:16 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

سوبارو تكشف عن موديل "XV" وتعود إلى المنافسة
  مصر اليوم - سوبارو تكشف عن موديل XV وتعود إلى المنافسة

GMT 10:24 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

سانغ يونغ تطرح سيارة عائلية مميزة بسعر زهيد
  مصر اليوم - سانغ يونغ تطرح سيارة عائلية مميزة بسعر زهيد

GMT 09:44 2016 الخميس ,08 كانون الأول / ديسمبر

وفاء عامر تدين بالفضل لجمال عبد الحميد في حياتها الفنية
  مصر اليوم - وفاء عامر تدين بالفضل لجمال عبد الحميد في حياتها الفنية

GMT 11:00 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

غواص هولندي يلتقط صورًا لمخلوق بحري نادر
  مصر اليوم - غواص هولندي يلتقط صورًا لمخلوق بحري نادر

GMT 07:20 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

عاصي الحلاني يستعدّ لألبوم جديد مع "روتانا"

GMT 12:23 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

الشرطة الأميركية تؤكّد العثور على الفتاة المسلمة

GMT 11:26 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

أميرة بهاء تطرح مجموعتها الجديدة من الأزياء الشتوية

GMT 11:37 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

علماء يكشفون أن القردة يُمكنها التحدّث مثل البشر

GMT 13:03 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

أفكار جديدة لتزيين منزلك بأبسط المواد

GMT 09:44 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

خطوات بسيطة للحصول على جسد رياضي متناسق

GMT 08:07 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

خدمة جديدة لإقامة خيمة مميّزة في أي مكان في العالم

GMT 10:26 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

أهم الأحداث الفلكية عن شهر كانون الأول لعام 2016

GMT 15:25 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

مشكلة بطارية آيفون 6 إس أكثر انتشاراً مما كانت آبل تعتقد

GMT 12:00 2016 الجمعة ,09 كانون الأول / ديسمبر

نجلاء محمود تطرح مجموعة ملفتة من إكسسوار شتاء 2017
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -
 
 Egypt Today Facebook,egypt today facebook,مصر اليوم الفيسبوك  Egypt Today Twitter,egypt today twitter,مصر اليوم تويتر Egypt Today Rss,egypt today rss,مصر اليوم الخلاصات  Egypt Today Youtube,egypt today youtube,مصر اليوم يوتيوب Egypt News Today,egypt news today,أخبار مصر اليوم

Powered and Developed by FilmMatters

Copyright © 2016 Egypttoday

Developed by FilmMatters

© 2016 Egypttoday

Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon